فخر الدين الرازي
203
المطالب العالية من العلم الإلهي
أن لا يجوز التمسك به في المسائل القطعية . الحجة الثانية على أنه لا يجوز التمسك بأخبار الآحاد في اليقينيات : أن نقول : أشرف طبقات الرواة : طبقة الصحابة ، ثم إن رواياتهم لا تفيد اليقين . أما في حق الصحابة . فيدل عليه وجوه : الأول : إن اظهر الأمور وأجلاها : أمر الأذان والإقامة . وذلك لأنه - عليه السلام - واظب عليهما مدة عشر سنين ، أو أكثر أو أقل . والكل كانوا يشاهدونه ، في كل يوم خمس مرات . والخلفاء الراشدون واظبوا عليها مدة ثلاثين سنة مع الجمع العظيم . ثم إن الرواة ما ضبطوا أحوال الأذان ، ولا أحوال الإقامة . أما أحوال الأذان . فهو أن الترجيح هل هو معتبر في الأذان أم لا ؟ وأما الإقامة . فإنها هي فرادى أو مثناة ؟ وليس لقائل أن يقول : لعلها كانت مرة فرادى ، ومرة مثناة . لأنا نقول : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن ينقل الراوي أنها كانت مرة فرادى ، ومرة مثناة ، فلما عجزوا عن ضبط هذا القدر مع أن الكل شاهدوا هذه المدة الطويلة ، فكيف يبقى الوثوق برواياتهم في المسائل الدقيقة ، وفي المباحث الغامضة . مع أنهم - بزعمهم - ما سمعوها إلّا مرة واحدة ؟ . ومن ذلك ما روي أنه - عليه السلام - أفرد الحج ، أو قارن ، أو تمتع . مع أن الحج : حجة واحدة ، ومع أنا نعلم أنه لم يأت بالجميع . ومن ذلك أنه - عليه السلام - هل كان يرفع يديه عند الركوع والانتصاب ؟ فابن مسعود ، روى عدم الرفع . وابن عمر روى حصول الرفع . ومرة ذكر أنه في التكبيرة الأولى ، كان يرفع يديه إلى حذو المنكبين ، أو إلى حذو الأذنين . فكل هذه الأمور أمور مشاهدة محسوسة . يكفي في معرفتها سلامة الحاسة وأصل العقل . فلما عجزوا عن ضبط هذا القدر ، فكيف يقدرون على ضبط المسائل الفقهية ، التي ما سمعوها إلا مرة واحدة . ثم إنهم ما كتبوا ذلك المجموع . بل اعتمدوا على مجرد حفظهم . ثم نقلوه بعد خمسين سنة أو أكثر .